فوائد من المجلات العربية

                  مجلة الإنسان والتطور / فصلية بالعربية /رئيس التحرير الأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي / القاهرة

                                                   من العدد 62 / 1998

الأبحاث الكيفية

Qualitative Research,by K.Buton,W.Perry-Jones,M.Livingston

British J.of Psychiatry 1998 vol/172(197-199)

قراءة وتعليق : الدكتور أحمد حسين                

       يتم نشر عدد قليل من الدراسات الكيفية في الدوريات الرائدة في الطب النفسي بل ولا يستعمل المصطلح كيفي إلا عدد أقل من الدراسات فهل ينشأ ذلك من الجهل بطبيعة البحث الكيفي ؟ أم يرجع إلى عدم  معرفة متى يمكن أن تستخدم الأبحاث الكيفية وما هي مكونات البحث الكيفي العلمي ؟ .

       ثم استشهد الكاتب بد ذلك بما ذكره مايز ويوب ( 1996) في المجلة الطبية البريطانية من أن المعرفة العلمية من الممكن أن تستفيد وتتقدم من خلال استخدام أساليب البحث الكيفي .

       وبعد ذلك بدأ الكاتب في شرح ما هية الأبحاث الكيفية موضحاً أن البحث الكيفي هو بحث يهتم أساساً بالإجابة عن تساؤلات تبدأ بـ " ماذا ؟ لماذا ؟ .. متى ؟ أكثر من اهتمامه بالإجابة عن تساؤلات تبدأ بـ كم عدد .. ؟ أو ما هي تكرارية ..؟ ثم أوضح أن الصفة الأساسية للأبحاث الكيفية تتمثل فيما تمنحه للباحث من فرصة لفهم " معنى " الظاهرة موضوع البحث .

       ثم ذكر الكاتب بعضاً من أساليب البحث الكيفي " المقابلة شبة المقننة المقابلة المتعمقة - جلسات الجماعة الملاحظة " وأعقب ذلك بمقارنة بين تلك الأساليب المختلفة موضحاً أن المقابلة " وخاصة " المتعمقة " تكون ذات فائدة في معرفة التجربة الذاتية والمشاعر في حين تكون الملاحظة ذات فائدة  في معرفة أسلوب التفاعل والسلوك . ثم ذكر بعض الأمثلة التوضيحية للأبحاث التي يمكن تطبيق الأسلوب الكيفي من خلالها .

       ثم أوضح الكاتب أنه إلى جانب فائدة الأبحاث الكيفية في بحث التساؤلات التي تعجز عن بحثها الأساليب الكمية فإنه بإمكانها أيضاً أن تثري وتضفي المعنى على مجالات الأبحاث الكمية .

       ثم ذكر الكاتب أن الأبحاث الكيفية أكثر ملائمة من الأبحاث الكمية لدراسة المواقف المركبة أو المعقدة حيث أنها تتميز بالطبيعة الكلية التي تسمح بالاستكشاف والفهم الأعمق . بدلاً من النظرة الضيقة المختزلة التي تهتم بالقياس . وأكد الكاتب أن هناك العديد من المجالات في الطب النفسي التي يمكن تطبيق الأبحاث الكيفية من خلالها بما يفيد الفهم الأمثل للطب النفسي ويساعد بصورة هامة في التخطيط لبرامج العلاج والمتابعة . 

التعليق :

       يمثل هذا المقال ( الافتتاحية ) إشارة هامة وسط الكم الهائل من الدراسات المنشورة في دوريات الطب النفسي في الوقت الحالي وربما خلال العقدين الماضيين حيث أنه يشير بوضوح وصراحة مباشرة إلى أن الأسلوب الكمي المتبع في الفترة الماضية كأسلوب أساس ( وشبه دائم ) لدراسة الاضطرابات والظواهر النفسية ليس هو الأسلوب الوحيد لها . ويتقدم خطوة أخرة ليضع الأسلوب الكيفي في المقدمة في بعض المجالات المتعلقة بدراسة النفس الإنسانية وفهم ظواهر اضطراباتها . ونحن نضيف أن الأسلوب الكمي ربما يكون قد تسبب في اختزال شديد لفهم طبيعة المرض النفسي خلال العقدين الماضيين لما سببه من اغتراب وعزلة للأطباء النفسيين والمشاركين في علاج ومساعدة المرضى النفسيين عن فهم طبيعة النفس البشرية ودوافعها واحباطاتها وآلامها ومعاناتها التي تتبدى فيما يسمى المرض النفسي .

       فبدرجة أو بأخرى تعتبر الأبحاث الكمية وما يقف ورائها من نظريات تختزل النفس البشرية في مجموعة من المعادلات الكيميائية والقياسات المعملية ، تعتبر هي المسئولة عن سيادة التفكير والتفسير من نموذج نمطي لتفكير اختزالي يمكن صياغته كالتالي الاضطراب النفسي ( س) المكون من مجموعة خصائص ( أ، ب، ج ، د، …….) يمكن علاجه من خلال استخدام العقار ( ك) الذي يفوق العقار ( ل) في المزايا ( ه، و……) حيث أنه معملياً ثبت أن ( 1،2، 3، .) وإحصائياً هناك ( 4، 5، 6، . ) .

       أدى هذا النموذج إلى تراكم هائل من الأبحاث والنتائج التي تتعارض وتتناقض في معظم الأحيان ويجبّ بعضها بعضاً كل عدة سنوات . وقد طغت دراسات هذا النموذج وسادت حتى صارت هي الأساس في أساليب التعليم الطبنفسي حيث صار الإلمام بنتائجها يمثل حجر الزاوية في قياس مدى المعرفة وتحديد الأقدر والأمهر في ( العلم ) وتراجعت إلى حد بعيد أهمية الملاحظة الإكلينيكية ومحاولات فهم ودراسة الظاهرة لصالح عمليات تصنيف وقياس الأعراض حتى ولو لم يفهم معناها .

       إن أزمة الطب النفسي في الوقت الراهن تتمثل في شعور متزايد بالعجز عن مساعدة من ينشدون المساعدة ومحاولة تفسير هذا العجز من خلال استخدام ذات الوسائل التي أدت إليه . وأزمة الطب النفسي المستقبلية تتمثل في عدم إدراك مدى الاغتراب المتزايد لدى ممارسي هذه المهنة عن مرضاهم ( وخاصة الأطباء الأصغر ) . وهو اغتراب ناشئ عن أساليب تعليمية تعتمد على أسلوب التفكير الكمي لتفسير النفس الإنسانية . فلنراجع أنفسنا من خلال ما تمثله هذه الافتتاحية من إشارة واضحة إلى أهمية الأبحاث المتعلقة " برصد الظاهرة " والأبحاث المتعلقة بالخبرة الذاتية للإنسان المتألم ( المريض ) في فهم طبيعة المرض النفسي والأسلوب الأمثل لعلاجه .

بقي أن نقول أن تلك الأبحاث الكيفية هي الأنسب لنا في مصر لما تمثله من طريقة هامة وأساسية في إكساب الأصغر المهارات اللازمة لمحاولات فهم طبيعة النفس الإنسانية ومعاناتها ، كما أنها الأنسب لظروف مجتمع نامي يحبو تكنولوجياً لكنه يملك موروثاً إنسانياً لايمكن إنكاره وإيماناً عميقاً بالتكيف قد يتخطى الحاجة إلى إثباته الموثق بمعادلات كمية ، ليست محكاً للصدق في حد ذاتها .

تم النشر في 21/10/2001

 

أعلى الصفحة

عودة إلى فوائد من المجلات العربية 

عودة إلى الصفحة الرئيسية