ابتسامات نفسية       

تحليلات وتعليقات       

  نكتة النسيان  

الدكتور حسان المالح                      

دخل مريض مصاب بالنسيان إلى عيادة الطبيب النفسي وبعد الجلوس و التعارف ، قال له الطبيب : خير مم تشكو ؟ فأجابه المريض : من كثرة النسيان ..وأعطاه بعض الأمثلة عن نسيانه .. ثم سأله الطبيب : منذ متى وأنت تشكو من هذا المرض ؟ فأجابه المريض : أي مرض ؟؟


                                  
تحليلات وتعليقات :                                 

 1_ مما لا شك فيه أن هذه النكتة مضحكة جداً ..وتتوفر فيها عناصر " المفارقة الحادة ".. حيث نسي المريض شكواه التي جاء من أجلها للطبيب . وهذه المفارقة الحادة تولد الضحك والابتسام عادة ، لأنها تخالف المنطق الاعتيادي والسلوك المألوف . وهي تعتبر أحد العناصر الأساسية في مسببات الضحك ،  كما أنها شائعة وتعتمد كثيراً في النكات والهزل وفن الإضحاك .

2_ ومن ناحية ثانية في تحليل هذه النكتة نلاحظ أن المريض بنسيانه مرضه الذي جاء من أجله للطبيب يثير في القارئ أو المستمع فكرة خاصة وهي " نقص ذكاء المريض أو بلاهته وغبائه " مما يساهم في الإضحاك .. والحقيقة أن الغباء يمكن أن يثير الضحك عند الإنسان لأسباب غريزية نفسية إضافة لتأثير ظروف اجتماعية و تاريخية وثقافية معينة ..حيث يكون الغباء مدعاة للسخرية والضحك بدلاً عن التقبل والتعاطف والشفقة ، ويرتبط ذلك بقيم التفوق العقلي والاهتمام بالبطولة والكمال دون الالتفات إلى من هم أقل حظاً من نواحي الذكاء واعتبارهم كائنات دنيا وضيعة تفقد حقها في الاعتبار والاحترام..أي أن الغباء لعلة أو مرض لا يزال موضع سخرية وهزء ، وفي ذلك نوع من العدوانية والكراهية ، وفيه نرجسية ومداعبة لخيالات العظمة والتفوق. وعندما يكون هذا السلوك متكرراً وجارحاً فهو يعبر عن إسقاطات الإنسان الداخلية لنقاط ضعفه وغبائه ونسيانه هو ..والذي لا يرضى عنه أبداً ولا يحتمله ، وهو يحوله إلى  الآخرين من الأغبياء عموماً أو في بعض تصرفاتهم وسلوكياتهم ثم يضحك منهم وعليهم .
وهكذا نجد في تحليل الضحك بروز " الجانب العدواني وملامح العنف والسخرية والهزء " كجزء هام يغذي مشاعر الفرح والنشوة والابتسامة.. أي أن إلحاق الأذى بالآخرين هو جزء عميق من ابتسامتنا !! من النواحي النفسية العميقة . ولا يعني ذلك أن نكف عن الابتسام ونخجل من أنفسنا إلا إذا كانت ابتسامتنا خاطئة .. في غير موقعها المناسب ، ومن المؤكد أن الإنسان المصاب بالتخلف العقلي   والنسيان طفلاً كان أم كبيراً لا يستحق أن نسخر منه .

3_ وفي جانب آخر من هذه النكتة يبرز موقف الطبيب الذي يشعر بالعجز أمام المريض .." لأنه لم يستطع أن يتفاهم مع مريضه " ، ويضيف هذا الجانب إلى إثارة الابتسام والضحك ، لأنه يفرغ شحنات انفعالية عدوانية في أساسها ضد شخصية الطبيب .والحقيقة أن صورة الطبيب النفسي لا تزال مشوهة وناقصة وغير واقعية في أذهان كثير من الناس في مختلف المجتمعات وفي مجتمعاتنا على وجه الخصوص ..ويرتبط ذلك في جانب منه بمستوى التخلف وتدني الثقافة العامة وبالتشويه المقصود أو غير المقصود الذي تتناقله وسائل الإعلام المختلفة . ومن الناحية التفسيرية فإن مشاعرنا تجاه الطبيب النفسي يمكن أن تكون متناقضة .. وفيها الخوف والرهبة والقلق إلى جانب الإعجاب والثقة والتعظيم .. وهذه المشاعر المتناقضة تنطبق على عدد من الشخصيات التي نتعامل معها ومنها الأب والأم والسلطة بمختلف أشكالها ، وكلما كانت العقد والتناقضات شديدة وحادة تجاه هذه الشخصيات ، كلما تصلبت المواقف تجاهها وتغذت بالمشاعر السلبية التي يمكن أن تنفلت في المناسبات الخاصة ومنها النكات . . وغير ذلك .

4- ويبدو من النكتة السابقة أن " الإحساس بالضعف والنسيان من جانب المريض والإحساس بعجز الطبيب " كل ذلك يمكن أن يثير الضحك والابتسام .. والضعف والنقص من الحقائق البشرية والنفسية الأصيلة ، ونحن نتعامل معهما بطرق مختلفة وبعضها طرق ملتوية قد تصبح مرضية غير مفيدة .. وعندما "نحس بالنقص ونشعر به " يمكننا أن نضحك على أنفسنا وعلى غيرنا ، بدلاً من أن نشعر بالمهانة والحزن والألم . فالضعف والنقص يولد القلق الألم والانزعاج ومن الطبيعي أننا لا يمكننا تقبل كل هذه الآلام والمشاعر طوال الوقت ..ولا بد من توجيه هذه الانفعالات بصورة أخرى أقل إزعاجاً ، ومنها أن يتحول القلق والانزعاج والغضب من أنفسنا أو من غيرنا إلى ابتسامة أو ضحكة أو قهقهة .. مما يبث السرور والبهجة والمتعة ويخفف من التوتر السلبي ولو بصورة مؤقتة . وهذه عمليات طبيعية وناجحة تجري داخلنا ما لم تؤد إلى تثبت الأنماط وجمودها وعدم تنوعها ، وهنا يصبح الضحك مرضاً لأنه يعيق التكيف والبناء وزيادة المهارات . فالضعف البشري محرك هام لاكتساب القوة ، والضحك يمكن أن يكون أسلوباً ناجحاً للسيطرة على الضعف والعجز من خلال عمليات التبديل والتحويل والإسقاط وغير ذلك مما يجري في تركيبتنا الداخلية .

5- و أخيراً .. عندما أسمع هذه النكتة أو أقرؤها فإنني كطبيب نفسي أضحك أيضاً.. ولكن في الممارسة الطبية النفسية نتعلم باستمرار أن نضبط انفعالاتنا المختلفة قدر الإمكان .. وربما تتحول الضحكة العالية إلى ابتسامة خفيفة أو نصف ابتسامة نظراً لضرورات الممارسة الطبية وأخلاقياتها وواجباتها التي تتلخص في مساعدة المريض ومعاونته في حل مشكلاته أو التخفيف منها وعلاجها . وبالطبع فإن الطبيب النفسي إنسان يفرح ويحزن وعليه واجبات وله حقوق ، و لابد من النظرة الواقعية العملية لتفهم ما يجري في العيادة النفسية وتفهم أسلوب حياة الممارس النفسي ودوره وعمله .

تم النشر في 21/10/2001

 

أعلى الصفحة  

عودة إلى ابتسامات

عودة للصفحة الرئيسية