قرأت لك 

الدماغ الأمومي

The Maternal Brain

Craig Howard Kinsley & Kelly G. Lambert

Scientific American,Jan 2006

 مجلة العلوم ( الكويت ) العددان 3/4 المجلد 22 / دماغ الأم : الصفحة 18- 25 مارس/ إبريل 2006

" عرض مختصر وبتصرف "

إن الحمل والأمومة يغيران من بنية دماغ أنثى الثدييات ، مما يجعل الأمهات أكثر اهتماماً بصغارهن وأحسن رعاية لهم. حيث تحدث تغيرات وظيفية أثناء الحمل والأمومة عند أنثى الثدييات كافة ( من الفئران والقردة إلى البشر ) ، وهي تتحول من تأمين احتياجاتها وبقائها إلى رعاية أولادها وحمايتهم .

وقد بينت الدراسات الحديثة على القوارض أن التغيرات الهرمونية التي تحدث أثناء الحمل والولادة والإرضاع تؤدي إلى إعادة ترتيب دماغ الأنثى بحيث يزيد حجم الخلايا العصبية في بعض المناطق كما تحدث تغيرات بنيوية في مناطق أخرى . وهذه المناطق الدماغية بعضها مسؤول عن تنظيم السلوكيات الأمومية مثل بناء المأوى وجمع الطعام والعناية بالصغار وحمايتهم من الحيوانات الأخرى . والمناطق الدماغية الأخرى مسؤولة عن ضبط الذاكرة والتعلم والاستجابات تجاه الخوف والخطر . وهذه التغيرات الدماغية تنعكس سلوكياً بتحسن سلوك جمع الغذاء واصطياد الفرائس ، ويمكن لها أن تستمر وتبقى إلى مرحلة متقدمة من العمر .

وفي التجارب تبين أن الفئران الأمهات يتفوقن على الفئران العذارى في اجتياز المتاهات وفي اصطياد الفرائس ، مما يعني أن مهارة البحث عن الطعام قد تحسنت ( مثل ذاكرتها المكانية للتعرف على بيئتها ) وهذا يخفض الزمن الذي تغيب فيه الأم بعيداً عن المأوى الذي يضم صغارها . ويعني أيضاً أن خوفها وقلقها قد قل مما سهل عليها مغادرة المأوى وجمع الطعام سريعاً وهيئها لمواجهات ناجحة أثناء الصيد مع محيطها العدواني .

ويبدو أن الهرمونات التناسلية الإستروجين والبروجستيرون واللذين ينظمان الاستجابات الجنسية والعدوانية عند الفئران والقطط والكلاب ، ضروريان لإظهار السلوك الأمومي حيث يعتمد ظهوره على تفاعل هذين الهرمونين وتناقصهما اللاحق . وأيضاً فإن هرمون الحليب ( وهو الهرمون المحرض على إدرار الحليب ) ، ينبه السلوك الأمومي عند إناث الفئران التي سبق أن أشبعت بالبروجسترون والإستروجين .

كما يبدو أن الإندورفينات ( وهي بروتينات مانعة للألم تتولد في الدماغ ) ، تزداد طوال مدة الحمل ولاسيما قبيل الولادة . وبذلك فهي تعد الأم لتحمل مشقة الولادة وأيضاً يمكن لها أن تحضر لابتداء السلوك الأمومي .

وتضيف بعض الدراسات أن هرمون الأوكسيتوسين ( وهو الهرمون الذي يسبب تقلصات الولادة وإدرار الحليب ) له تأثيرات في تحسين الذاكرة والتعلم حيث يؤدي حقنه داخل أدمغة إناث الفئران العذارى إلى تحسين ذاكرتها طويلة الأمد ، كما أن حقن مضادات الأوكسيتوسين في أدمغة الفئران الأمهات يؤدي إلى تدهور أدائها في المهام المرتبطة بالذاكرة .

وتدل الدراسات على أهمية بعض المناطق الدماغية في السلوك الأمومي مثل المنطقة الأنسية قبل البصرية من الوطاء (Medial Preoptic Area of Hypothalamus ) ، حيث يؤدي إحداث أذية فيها أو حقن المورفين إلى إفساد السلوك المميز للفئران الأمهات . وأيضاً المسارات العصبية التي تربط الوطاء بالقشر الحزامي الذي ينظم الانفعالات

( Hypothalamus-Cingulate Cortex ) ، حيث يؤدي إتلاف القشرة الحزامية في الفئران الأمهات إلى إزالة السلوك  الأمومي عندها .

ومن اللافت للنظر أنه بعد أن تستهل الهرمونات التناسلية استجابة الأمومة ، يتضاءل اعتماد الدماغ على تلك الهرمونات ، وأن الأولاد وحدهم يتمكنون من تنبيه السلوك الأمومي .. حيث يزداد نشاط النواة المتكئة (Nucleus Accumbens ) وهي منطقة مهمة في الإثابة والمكافأة ، حين ترضع صغرها . ومن الممكن أن الرضاعة من خلال التصاق الصغار بحلمات أثدائها ، تطلق كميات ضيئلة من الإندورفين في جسم الأم . وقد تعمل هذه الإندورفينات المضادة للألم كعقار أفيوني يستجر الأم مجدداً للاتصال بصغارها .

وفي دراسات على الأم البشرية تبين أن المناطق الدماغية التي تنظم الإثابة والمكافأة تتنشط وتتفعل حينما تحدق الأمهات البشريات في أطفالهن . كما تشير دراسات أخرى حديثة  إلى أن الدماغ البشري يعاني من تغيرات في أجهزة التنظيم الحسي توازي التغيرات المشاهدة عند الحيوانات ، وأن هناك مشابهات بين استجابات البشر واستجابة الفئران مما يوحي بوجود دارة عامة للأمومة في دماغ الثدييات ..

وقد بينت إحدى الدراسات أن الأمهات البشريات قادرات على التعرف على عديد من روائح وأصوات أبنائهن ، ربما بسبب اكتسابهن مقدرات حسية محسنة .. وأن الأمهات اللواتي يمتلكن مستويات عالية من هرمون الكورتيزول يكن أكثر انجذاباً وتحفزاً لروائح أطفالهن وأحسن قدرة على التعرف على بكائهم . ويدل ذلك على أن الكورتيزول الذي يزداد نمطياً في حالات الاكتئاب ، يمكن أن يتصف بتأثير إيجابي في الأمهات حديثة الولادة حيث يزيد الانتباه والحذر والحساسية على نحو يقوي الرابطة بين الأم ووليدها ؟؟

وفي دراسة أخرى أن النسوة الحوامل في سن الأربعين أو بعد ذلك ، امتدت أعمارهن حتى سن المئة بنسبة أربعة أضعاف الحوامل في سن مبكرة ؟؟ ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن وتيرة الشيخوخة تكون أبطأ عندهن ، وربما أن الحمل وخبرة الأمومة قد تكون حسنت أدمغة النسوة في فترة حاسمة من تراجع الهرمونات ( سن اليأس ) وقد تساعد المكاسب المعرفية للأمومة على تلافي نضوب الهرمونات الحافظة للذاكرة مما يؤدي إلى صحة عصبية أفضل وإلى تعمير أطول ؟؟

وقد بينت إحدى الدراسات أن النسوة الحوامل كانت نتائجهن في بضعة اختبارات للذاكرة اللفظية ، دون المستوى الطبيعي ، وسرعان ما عادت درجاتهن إلى المستوى الطبيعي بعد الولادة . ولكن نتيجة الدراسة أنه لم يكن هناك  فرق ذو دلالة بالنسبة للذكاء العام .

ومن المنظور التطوري يبدو أن سلوكيات الأمومة قد تطورت بحيث تزيد من فرص نجاح الأنثى ، وهذا لايعني أن الأمهات أفضل من نظيراتهن العذارى في جميع المهام ، ولكن في جميع الاحتمالات لاتتحسن إلا السلوكيات التي تؤثر في الإبقاء على حياة النسل .

تعليق سريع :

مما لاشك فيه  أن ما سبق عرضه  لبعض الدراسات والنظريات والآراء والتكهنات ، مثير ويمكن له أن يزيد من فهمنا لدماغ وسلوك الأمومة المعقد .. ومن الواضح أن هناك نقاط قابلة للجدل والنقد العلمي ، كما أن هناك نقص واضح في الدراسات الدقيقة على البشر من مختلف الجوانب المتعلقة بالسلوك الأمومي في هذا العرض..ولابد من التحفظ والتريث على الاستنتاجات المتعلقة بالبشر ..لأن ماسبق عرضه اعتمد على دراسات الفئران ولم تكن الدراسات على البشر كافية أو ذات دلالة واضحة أو شاملة ..كما أن عدداً من الافتراضات والتكهنات الذاتية للمؤلفين قد رافقت عرض نتائج الدراسات ولايمكن الأخذ بها دون نقد أو نقاش . ولابد من النظرة العلمية المتوازنة والتي تؤكد دائماً على دراسة وفهم الإنسان وسلوكه ضمن إطار عضوي نفسي اجتماعي ( BioPsychoSocial ) متكامل .

عرض وتعليق الدكتور حسان المالح

تم النشر في 30/5/2006

 

                   

                                       عودة إلى قرأت لك                عودة إلى الصفحة الرئيسية