بعدما كشفت الأنباء عن أن منفذي هجمات لندن صباح الخميس الماضي، على عربات المترو وباصات النقل العام، هم مجموعة شباب بريطانيين من اصل باكستاني، نفذوا العملية بطريقة انتحارية، بعد ان تلقى بعضهم دورسا في الدين الاسلامي في باكستان، وزار افغانستان، اصبح السؤال: كيف يهيأ الانتحاري الاصولي، وما هو مبررهم الفكري والنفسي لهذا العمل الرهيب؟ إذا طالعنا الشرائط المصورة للانتحاريين، التي يظهر فيها الانتحاري يلقي بعض وصاياه ويرسل رسائله التي تفسر سبب اقدامه على هذا العمل، فسنرى حالات فرح وسعادة بالمصير الانتحاري. ويبرز هنا شريط «الزفة» الشهير، الذي بثته قناة «الجزيرة» القطرية، وظهر فيه ناصر السياري وعلي المعبدي، اللذان قاما بتنفيذ الهجمات الانتحارية على مجمع المحيا السكني في العاصمة السعودية الرياض في نوفمبر (تشرين الثاني) 2003، فقد بدا الفرح والسرور الهسيتري على الحضور، باعتبار ان الانتحاريين سوف يقدمون على لحظة موت صغيرة، تنقلهم الى حفلة اخرى تنتظرهم في العالم الآخر.
ويحدثني الباحث العراقي رشيد الخيون عن سائق التاكسي العراقي في بغداد، الذي أركب معه أحد المارة، وأخذ يدور به ويدور من دون هدف، الى ان تملك الضجر سائق التاكسي، فسأل الراكب الى أين تقصد بالضبط؟ فقال له: لا تقلق سأعطيك أجرتك مضاعفة، ثم أخذ يدور به مرة أخرى في شوارع بغداد، وأخيرا أوقف السيارة ونقد سائق التاكسي أجرة مجزية، وقال له: للأسف فاتنا العشاء اليوم مع الرسول صلى الله عليه وسلم! فقال له: ماذا تعني؟ فقال الراكب: كنت أبحث عن هدف أفجر فيه نفسي، وكشف عن الحزام المتفجر في جسده.. ثم مضى إلى حال سبيله في انتظار عشاء آخر.
وعن الأساس الفقهي والفكري، الذي يقنع به المحرضون من يقع يملك القدرة على تنفيذ عمل انتحاري، فهناك أدبيات كثيرة لدى الاصوليين القاعديين، تسوغ العمليات الانتحارية وتشجع عليها.
يقول الاصولي الكويتي حامد العلي (أفرجت عنه السلطات الكويتية، بكفالة آخر يونيو (حزيران) الماضي، بعد اتهامه بالتحريض على الارهاب)، في فتوى له بعنوان «حكم العمليات الاستشهادية»، وبعد أن أورد عددا من النصوص والمقتطفات التراثية التي تعزز القول بجواز العمليات الانتحارية: «هذه سبعة نقول من أئمة العلم، تدل دلالة واضحة بطريق اللزوم على جواز العمليات الاستشهادية، بشرط حصول مصلحة النكاية في العدو».
وفي فتوى للأصولي المقيم في لندن أبو قتادة الفلسطيني (أفرجت عنه السلطات البريطانية من سجن بيل مارش في مارس الماضي بكفالة، بعد اشتراط وضع حلقة الكترونية في جسده لمراقبته)، في هذه الفتوى التي تحمل عنوان «جواز العمليات الاستشهادية وأنها ليست بقتل للنفس»، قال ابو قتادة، وهو يشرح انماط وصور العمليات الانتحارية ويؤصل لها فقهيا : «قيام المجاهد بتفجير نفسه، أو سيارته في وسط الاعداء لإحداث النكاية بهم، وهذه الصورة وان كانت لم توجد في الزمن السابق لعدم وجود أدواتها، فهي حادثة في هذه العصور»، ثم يمضي أبو قتادة في الشرح، ويصل الى جواز هذه العمليات، وانها من أرفع انواع الجهاد. فتواه هذه منشورة في نشرة الأنصار بتاريخ الخميس 6 ذوالقعدة 1415 العدد 91، وهي النشرة التي كانت توجه عمل الجماعة الاسلامية المقاتلة في الجزائر، ويبث من خلالها ابو قتادة فتاواه، حول العمليات العسكرية التي نفذتها الجماعة الجزائرية الاصولية بشراسة.
وأما أبو محمد المقدسي، فرد على مفتي السعودية، الذي أفتى بعدم جواز العمليات الانتحارية، رافضا وصفها بالانتحارية، وقال عنها إنها «عمليات بطولية أبعد ما تكون عن الانتحار»، كما في فتواه التي نشرها على موقعه بعنوان «حول فتوى مفتي السعودية بشأن العمليات الاستشهادية».
العلميات الانتحارية او الاستشهادية، لم تكن محل اتفاق بين فقهاء المسلمين المعاصرين، فقد وافق عليها فريق وعارضها فريق آخر. وكان كل ذلك ضمن سياق الحديث عن المقاومة في فلسطين. فهناك فتوى لمجموعة من العلماء في الأردن، بمشروعية العمليات الانتحارية (الاستشهادية)، وفتوى جبهة علماء الأزهر في نفس الاتجاه. يقول الدكتور يوسف القرضاوي في مشروعية هذه العمليات «إن هذه العمليات، تعد من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، وهي من الإرهاب المشروع»، وبين د. القرضاوي أن تسمية العمليات بـ«الانتحارية» تسمية خاطئة ومضللة، فهي عمليات فدائية بطولية استشهادية». اما في السعودية، فقد ذهب بعض الفقهاء الى عدم مشروعية العمليات الانتحارية. قال الشيخ محمد بن عثيمين، احد ابرز الفقهاء السعوديين، والمتوفى قبلَ أحداث 11 سبتمبر (ايلول) 2001، في إجابة له عن سؤال حولَ رأيه في العمليات الانتحارية: «رأيي في هذا، أنه قاتل لنفسه، وأنه سيعذب في جهنم بما قتل به نفسه، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الجاهل الذي لا يدري وفعله على أنه فعل حسن مرضي عند الله، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنه، لكونه فعل هذا اجتهادا، وإن كنت أرى أنه لا عذر له في الوقت الحاضر، لأن هذا النوع من قتل النفس اشتهر وانتشر بين الناس، وكان على الانسان أن يسأل عنه أهل العلم، حتى يتبين له الرشد من الغي. ومن العجب أن هؤلاء يقتلون أنفسهم مع أن الله نهى عن ذلك وقال «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما». وكثير منهم لا يريدون إلا الانتقام من العدو على أي وجه، سواء كان حلالا أو حراما، فهو يريد ان يشفي غليله فقط، أو يروي غليله، ونسأل الله أن يرزقنا البصيرة في دينه والعمل بما يرضيه إنه على كل شيء قدير». (مجلة الدعوة: العدد ـ 1598 ـ 28 صفر 1418 هـ). ودعما لنفس الرأي يرى القاضي والمفتي السعودي عبد المحسن العبيكان، في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» عدم جواز العمليات الانتحارية، الذي قال عن العمليات في فلسطين «منذ زمن، وأنا أفتي بتحريم العمليات الانتحارية وليست الاستشهادية، كما يسميها البعض فهي تسمية خاطئة، وثار حينها الكثيرون، ولكنني ما زلت متمسكاً برأيي بأن مثل هذه العمليات محرمة، ولا توجد أدلة تؤيدها لا من كتاب ولا من سنة. فهذه النفس يملكها من خلقها فكيف يُقدم المرء على قتل نفسه»، وقال «لقد أفتى بتحريم هذه العمليات جماعة من العلماء كالشيخ ابن باز، ابن عثيمين، الألباني، رحمهم الله، وكذلك مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، وجمع كثير». واما المفتي العام للسعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، فقال معلقا على طريقة قتل النفس بين الأعداء أو ما يوصف بالطرق الانتحارية «لا أعلم لها وجها شرعيا، ولا أنها من الجهاد في سبيل الله، وأخشى أن تكون من قتل النفس». وكان المفتي العام للسعودية يرد على سؤال مفاده أن «بعض الدول الإسلامية تتعرض لحرب أو احتلال من دول أخرى، فيعمد بعض أفرادها إلى مهاجمة أفراد البلد المعتدي بالطرق الانتحارية فيقتل نفسه ويقتل غيره من الأعداء، ويرون أن هذا لون من ألوان الجهاد في سبيل الله، وأن المنتحر شهيد». يشار إلى الانتحار بدافع ديني، يعتبرممارسة قديمة ومتعددة الصور، وهذه الظاهرة ليست مقصورة على المسلمين، فحسب دراسة لباحث عربي هو حسان المالح ، فإن هناك طوائف مسيحية وديانات شرقية، قام بعض أفرادها بأعمال انتحارية بحجة دينية.
فهناك «طائفة الوصايا العشر»، وهي طائفة أوغندية تتبع المذهب الكاثوليكي المسيحي، أسسها راهب يدعى «جوزيف كيبويتيره»، ومعه عدد من الراهبات.
كانت هذه الطائفة تعتقد بأن القيامة ستقوم في يوم 31 ديسمبر 1999، وقد أقنعهم بأنه ينبغي عليهم بيع ممتلكاتهم والتبرع بها للكنيسة، والاستعداد للذهاب إلى الجنـة. وبالفعـل قام هؤلاء «المنتحرون» ببيع ممتلكاتهم، ولكن القيامة لم تقم. وفي (مارس 2000) بدأت موجة من الانتحار الجماعي بين أعضاء تلك الطائفة. وهناك جماعة «جيم جونز»، وهم أتباع القس جيم جونز، وحسب بحث المالح ، فهو قس مهووس، ومدمن للمخدرات، أقام لأتباعه مزرعة ضخمة وجمعهم فيها، وأباح لهم الجنس والمخدرات، وظنوا أن الحياة داخل هذه المزرعة هي السعادة، وأن هذا هو النعيم المقيم. ولكن بعد فترة خاب ظنهم، وأصابهم الإحباط، واستطاع هذا القس إقناعهم بالانتحار، وبالفعل وفي عام 1978 أقدم 918 شخصاً على الانتحار، وكان بينهم كثير من الأطفال وكبار السن. وتم الانتحار بتناول مادة السيانيد السامة، ومن امتنع عن تناول السيانيد قتل رمياً بالرصاص. وكان مقر هؤلاء مدينة جويانا بولاية سان فرانسيكو بالولايات المتحدة. وهناك طائفة «معبد الشمس»، وهي طائفـة أخرى من طوائف الانتحار الجماعي، وأتباعها يوجدون في كندا، وأوروبا خاصة فرنسا وسويسرا. ويعتقد أصحاب هذه الطائفة أن الانتحار الجماعي في طقوس معينة، يمكَّن الواحد منهم أن يولد من جديد في كوكب الشعرى اليماني. وأغرب أنواع الانتحار التاريخية ذات الصبغة الدينية، التي أشار إليها الباحث المالح هي حالة الراهب الأندلسي «أيولوخيو» زعيم فتنة النصارى المستعربين في قرطبة، في عهد الأمير عبد الرحمن الثاني بن الحكم وولده الأمير محمد. فقد كان أيولوخيو راهباً من أسرة مستعربة ميسورة الحال، وله أخ موظف في الدولة الذي عز عليه اقبال الشباب المسيحين على تعلم اللغة العربية، واهمال الثقافة المسيحية، فحض اتباعه على الخروج للشوارع، وشتم الاسلام والرسول، وكان كلما قبض على شخص منهم وحول للقاضي الشرعي، وطلب منه التراجع يرفض حتى يقتل، في حالة انتحار جنوني جماعي، وعندئذ عقد الأمير عبد الرحمن الثاني مجتمعا دينيا في قرطبة سنة 852 ضم جميع أساقفة الأندلس برئاسة مطران إشبيلية لبحث هذه المسألة، وأصدر المجمع قرارا يستنكر حركة هؤلاء المسيحيين المتطرفين، واعتبرها خروجا على تعاليم الكنيسة.
تعليقات :
